ضربات دقيقة ضد البوليساريو خلقت معادلة الردع لدى القوات المسلحة الملكية
تواصل القوات المسلحة الملكية المغربية التعامل بحزم وانضباط مع الاستفزازات الميدانية التي تقوم بها جبهة البوليساريو شرق الجدار الأمني، منذ إعلان هذه الأخيرة تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991. وتعتمد المملكة في مقاربتها الأمنية على ضبط النفس وتفادي الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مع الاحتفاظ بحق الدفاع المشروع عن وحدتها الترابية وضمان أمن واستقرار أقاليمها الجنوبية.
وتندرج التحركات المعادية، التي تتخذ شكل إطلاق نار متقطع أو محاولات تسلل محدودة، ضمن ما يوصف بـ”الأعمال منخفضة الحدة”، وهي تحركات لا تشكل تهديدا عسكريا حقيقيا بقدر ما تهدف إلى خلق توتر إعلامي وسياسي في المنطقة. وفي مواجهة ذلك، اختار المغرب استراتيجية دقيقة تقوم على توظيف قدراته الدفاعية المتطورة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة، لتنفيذ ضربات نوعية تستهدف مصادر التهديد دون المساس بالمدنيين أو البنية التحتية.
وقد أفضت هذه المقاربة إلى إضعاف القدرات الميدانية للجبهة الانفصالية، عبر تحييد تحركات مسلحة معزولة وتعطيل محاولات خلق واقع جديد شرق الجدار الرملي. كما ساهم التفوق التكنولوجي المغربي في تغيير ميزان القوى، مكرسا واقعا جديدا يجعل أي تصعيد غير محسوب العواقب بالنسبة للطرف الآخر.
ورغم الحملات الإعلامية التي تحاول تصوير هذه العمليات على أنها استهداف للمدنيين، تؤكد الرباط أن تدخلاتها تتم وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي إطار الدفاع الشرعي عن النفس وحماية الأمن الإقليمي. كما تشدد على أن الاتهامات المتداولة تفتقر إلى أدلة مستقلة، وتستند في الغالب إلى روايات دعائية تسعى إلى التشويش على النجاحات الميدانية والدبلوماسية التي تحققها .
يأتي هذا التطور الأمني في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث يشهد نزاع الصحراء المغربية تحولا لافتا منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020. ففي الوقت الذي تحاول فيه البوليساريو فرض منطق التصعيد المحدود، يواصل المغرب التمسك بالحل السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، باعتباره الخيار الواقعي الوحيد القادر على إنهاء النزاع وضمان الاستقرار الدائم.
وقد شكلت محاولات عرقلة المعبر الحدودي بالكركرات في السابق منعرجا خطيرا، كاد أن يقوض جهود التسوية السياسية ويهدد انسيابية المبادلات التجارية بين المغرب وعمقه الإفريقي. غير أن التدخل المغربي آنذاك أعاد الأمور إلى نصابها، مؤكدا التزام المملكة بحرية التنقل واحترام الاتفاقيات الدولية، مع رفض أي مساس بأمنها القومي.
وفي هذا الإطار، يبرز تعزيز القدرات الدفاعية، وخاصة في مجال الطائرات المسيرة، كأداة توازن وردع، تتيح للمغرب حماية أراضيه دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. كما يعكس هذا التوجه وعيا استراتيجيا بضرورة الجمع بين الصرامة العسكرية والمسؤولية السياسية، بما يحفظ الأمن ويمنح المسار الأممي فرصة للاستمرار.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن محاولات التشويش على هذه القدرات أو تعطيلها باءت بالفشل، ما يؤكد محدودية إمكانيات الجبهة الانفصالية ومن يقف وراءها. وفي المقابل، يواصل المغرب توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، التي باتت تحظى باعتراف متزايد باعتبارها حلا جديا وواقعيا للنزاع.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز مفارقة واضحة بين خطاب التصعيد الذي تتبناه البوليساريو، والواقع الميداني الذي يكشف تراجع تأثيرها سياسيا وعسكريا. كما يتأكد أن الرهان على الضغط الإعلامي لم يعد مجديا أمام التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية التي تصب في صالح المغرب.
وفي المحصلة، تواصل المملكة المغربية إدارة ملف الصحراء بمنهجية تجمع بين الحزم والاتزان، مع الحرص على حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بالتوازي مع دعم الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء معاناة ساكنة المخيمات وفتح آفاق حل نهائي للنزاع، يضمن الأمن والتنمية في المنطقة ويكرس السيادة الوطنية.