النقابات والمعارضة: الحكومة مسؤولة عن الغلاء الفاحش
تشهد الساحة السياسية والاجتماعية بالمغرب تصاعدا غير مسبوق في حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة، بعدما التقت مواقف المركزيات النقابية وأحزاب المعارضة حول تشخيص واحد يعتبر أن السياسات الحكومية لم تنجح في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، بل عمقت الأزمة الاجتماعية ووسعت دائرة الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما جعل الحكومة تواجه ضغطا متزايدا في الشارع وفي المؤسسات المنتخبة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي هذا السياق، نظمت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مسيرة احتجاجية وطنية بمدينة الدار البيضاء، شارك فيها مئات المناضلين القادمين من مختلف جهات المملكة، رافعين شعارات تطالب بالزيادة في الأجور والمعاشات، والحد من الغلاء والاحتكار والريع، واحترام الحريات النقابية، وتنفيذ الالتزامات الاجتماعية، إلى جانب المطالبة بإسقاط التطبيع.
وأكد الكاتب العام للكونفدرالية، خالد العلمي الهوير، أن دواعي الاحتجاج لم تعد مرتبطة بملفات قطاعية أو فئوية، بل تعكس أزمة اجتماعية عميقة يعيشها المغرب، في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية وتنامي البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن الطبقة العاملة أصبحت تؤدي كلفة السياسات الاقتصادية الحالية، بينما تستفيد أقلية من الامتيازات والريع.
وشدد المسؤول النقابي على أن استمرار الاحتجاجات يهدف إلى فرض احترام الحقوق والحريات النقابية وتنفيذ الالتزامات الاجتماعية، مطالبا بعقد اجتماعي جديد يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويضع حدا للاحتكار والمضاربات والفساد، مع إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع بما يضمن توزيعا عادلا للثروة.
كما وجهت الكونفدرالية انتقادات مباشرة إلى تدبير الحكومة لملفات استراتيجية، معتبرة أن إسقاط مقترحي تسقيف أسعار المحروقات وإعادة تشغيل مصفاة “سامير” فوت على المغرب فرصة معالجة أحد أهم أسباب ارتفاع أسعار الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي الوطني.
وفي الاتجاه نفسه، كثفت أحزاب المعارضة هجومها السياسي على الحكومة، معتبرة أن حصيلة خمس سنوات من التدبير لم تحقق الوعود التي قدمت للمغاربة، بل زادت من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، أن الحكومة اهتمت بمصالح فئة محدودة من المستفيدين، بينما ظلت أوضاع غالبية المواطنين تتجه نحو مزيد من التدهور، منتقدا استمرار الفوارق الاجتماعية واتساع دائرة الفقر والهشاشة.
واعتبر أن السياسات العمومية، وعلى رأسها مخطط “المغرب الأخضر”، لم تنعكس إيجابا على أوضاع الفلاحين الصغار والعالم القروي، بل استفادت منها فئات محدودة، مؤكدا أن المغرب يحتاج إلى مشروع تنموي حقيقي يعالج الاختلالات الاجتماعية بدل الاكتفاء بالترويج لصورة وردية عن الواقع.
كما انتقد بنعبد الله ما وصفه بسيطرة أصحاب المصالح على تدبير الشأن العام، مؤكدا أن حزبه يرفض منح التزكيات لأصحاب النفوذ والمستفيدين من الصفقات العمومية، ويدعو إلى تمكين الكفاءات القريبة من هموم المواطنين من تحمل المسؤولية السياسية.
ومن جهته، صعد حزب العدالة والتنمية من لهجته تجاه الحكومة، حيث اعتبر القيادي إدريس الأزمي أن المغاربة لا ينتظرون فقط إلغاء الساعة الإضافية، وإنما ينتظرون إنهاء ما سماه “الأسعار الإضافية” التي أثقلت كاهل الأسر المغربية نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.
واتهم الأزمي الحكومة بعدم الوفاء بالتزاماتها الانتخابية، سواء المتعلقة بإحداث مليون منصب شغل أو تحسين أوضاع كبار السن أو تعميم التعليم الأولي أو تطوير منظومة التعليم، مشيرا إلى استمرار اختلالات التغطية الصحية والدعم الاجتماعي.
كما دعا إلى جعل الانتخابات المقبلة محطة لتصحيح المسار السياسي والديمقراطي، عبر انتخاب ممثلين يعبرون عن انشغالات المواطنين ويدافعون عن مصالحهم داخل المؤسسات.
ولم يقتصر انتقاد حزب العدالة والتنمية على الجانب الاجتماعي، بل امتد إلى ملفات الإصلاح الكبرى، حيث حمل الحكومة مسؤولية التوتر الذي يشهده قطاع المحاماة، بسبب اعتمادها، حسب الحزب، منطق الأغلبية العددية في تمرير مشاريع القوانين، بدل الحوار مع الهيئات المهنية.
كما اتهم الحزب الحكومة بالتهرب من مباشرة إصلاح أنظمة التقاعد، وترحيل هذا الورش إلى الحكومات المقبلة، معتبرا أن ذلك يعكس غياب الإرادة السياسية في معالجة الملفات الاستراتيجية، وتأجيل القرارات الصعبة لأسباب انتخابية.
وفي ملف المحروقات، حمل الحزب الحكومة مسؤولية استمرار ارتفاع الأسعار، مؤكدا أنها تتوفر على الوسائل القانونية الكفيلة بضبط السوق ومحاربة الأرباح المفرطة، كما دعا إلى إعادة تشغيل مصفاة “سامير” باعتبارها خطوة من شأنها تعزيز الأمن الطاقي وإعادة التوازن إلى سوق المحروقات.
ويجمع مراقبون على أن تزامن التصعيد النقابي مع تصاعد انتقادات المعارضة يضع الحكومة أمام مرحلة سياسية واجتماعية دقيقة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع مطالب الفئات الاجتماعية، وهو ما يجعل الملفات الاجتماعية والاقتصادية تتصدر النقاش العمومي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، وسط دعوات متزايدة إلى مراجعة السياسات العمومية والاستجابة للمطالب الاجتماعية بما يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.