الانتخابات التشريعية .. المقتضيات القانونية الجديدة لمكافحة الأخبار الزائفة حماية للخيار الديمقراطي في العصر الرقمي
أكد مهدي عامري، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن المقتضيات القانونية الجديدة المتعلقة بالتصدي للأخبار الزائفة خلال الانتخابات التشريعية المقبلة من شأنها حماية الخيار الديمقراطي وضمان نزاهة التنافس السياسي.
وأوضح، في حوار صحفي، أن التأطير القانوني لاستعمال الوسائط الرقمية خلال الانتخابات يروم حماية الأفراد والمؤسسات والدفاع عنها ” ضد محاولات التشكيك الممنهج وغير المؤسس في نزاهتها عبر حملات رقمية منظمة”، وكذا حماية الفضاء العمومي الرقمي حتى لا يضحى منصة مفتوحة للابتزاز.
وسجل السيد عامري أن المقتضيات الجديدة التي جاءت بها المنظومة الانتخابية في هذا الشأن تطرح تحديا دقيقا يتمثل في ضرورة رسم حدود واضحة بين محاربة التضليل وحماية حرية التعبير والصحافة، مبرزا أن الدفاع عن الديمقراطية ” يتطلب إعمال روح قانونية متوازنة تفرق بوضوح بين التزييف المتعمد والخطأ غير المقصود، وبين النقد العمومي المشروع والتشهير الشخصي”.
ودعا إلى تبني مقاربة شمولية تتجاوز البعد الزجري لتشمل التربية الإعلامية والرقمية، عبر تكوين المواطنين، لاسيما الشباب، على ثقافة التحقق من المعلومات وقراءة الصور بعقل نقدي، لافتا إلى أن هذه المقاربة تتطلب تواصلا مؤسساتيا وحزبيا سريعا وشفافا لقطع الطريق على الشائعات التي تنتعش في ظل الصمت أو التأخر في التوضيح.
وقال الباحث إن الصحافة المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق يجب أن تضطلع بدورها في بناء “المناعة الرمزية” للمجتمع، مضيفا أن “الصحافي لم يعد فقط ناقلا للخبر، بل أصبح وسيطا في معركة المعنى. فعليه أن يتحقق، ويفسر، ويفكك، ويعيد وضع المعلومة في سياقها”.
وحذر من خطورة التضليل الرقمي التي تكمن في قدرته على اختراق وجدان المتلقي وإرباك إمكانية الاختيار الواعي لديه، مما يجعل الناخب يتخذ قراراته داخل فضاء مشوش تختلط فيه الحقيقة بالانفعال.
وتعززت المنظومة الانتخابية بمادة جديدة لتجريم استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة من أجل بث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر أو توزيع خبر زائف أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، وكذا نشر أو توزيع إشاعات أو أخبار زائفة بقصد التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات.
وجاءت هذه المادة الجديدة للتصدي لهذه الظاهرة. ففي ظل الثورة الرقمية وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي انتشرت بشكل كبير الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة التي تستخدم لتضليل المواطنات والمواطنين أو لتشويه صورة المترشحين خلال فترة الانتخابات، مما يشكل تهديدا حقيقيا لجوهر العملية الديمقراطية.
وتجسد هذه المادة توجها تشريعيا متوازنا يستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي، بهدف تحصين المسار الديمقراطي للمغرب من مخاطر التضليل والتشهير والمحتوى الرقمي المفبرك خلال المرحلة الانتخابية، دون المساس بجوهر حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا.
عودة ملف “الفراقشية” إلى الواجهة
عاد ملف دعم استيراد الأغنام، المعروف إعلاميا بـ”ملف الفراقشية”، إلى صدارة النقاش السياسي بالمغرب مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، بعدما أعادت تصريحات مسؤولين حكوميين وقيادات حزبية فتح الجدل حول حصيلة البرنامج الذي أطلقته الحكومة لمواجهة آثار الجفاف وضمان تموين السوق الوطنية بالأغنام واللحوم الحمراء.
وجاءت عودة الملف إلى الواجهة في سياق تصاعد التوتر بين مكونات الأغلبية الحكومية، خاصة بعد تصريحات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، التي أثارت نقاشا واسعا، قبل أن يقر رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بإمكانية تسجيل “خروقات هنا وهناك” خلال تنفيذ برنامج الدعم، مع تأكيده في المقابل أن الهدف الأساسي من العملية تحقق من خلال الحفاظ على القطيع الوطني وتعزيز قدرته على التعافي.
العرب وشعوب الشرق الأوسط
غير أن استمرار أسعار اللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة، تراوحت بين 120 و150 درهما للكيلوغرام، أعاد طرح تساؤلات حول مدى تحقيق البرنامج لأهدافه، وحول الجهة التي استفادت فعليا من الأموال العمومية المخصصة للدعم، خاصة بعدما سبق لقيادات سياسية أن تحدثت عن وصول قيمة مختلف أشكال الدعم والإعفاءات إلى نحو 13 مليار درهم.
وفي المقابل، تتمسك أحزاب المعارضة بمطالبها السابقة المتعلقة بفتح تحقيق برلماني في الملف، معتبرة أن الدعم العمومي لم ينعكس بالشكل المنتظر على القدرة الشرائية للمواطنين، وأن الكشف عن حقيقة تدبير هذا الملف أصبح ضرورة لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وكانت فرق المعارضة قد تقدمت سنة 2025 بمبادرة لتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد المواشي وتدبير قطاع تربية الماشية، قبل أن تتعثر المبادرة بسبب غياب التوافق السياسي داخل مجلس النواب، وهو ما حال دون مباشرة اللجنة لأعمالها.
ومع اقتراب انتهاء الولاية التشريعية، لم يعد ممكنا إحداث لجنة لتقصي الحقائق قبل الانتخابات، ما يجعل الملف ينتقل من المؤسسة التشريعية إلى ساحة التنافس السياسي، حيث أصبح أحد أبرز محاور الحملات الانتخابية للأغلبية والمعارضة على حد سواء.