شركات التأمين تربح 17.6 مليار درهم في ثلاثة أشهر

0

تكشف الأرقام الجديدة الصادرة عن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي عن استمرار النمو القوي لنشاط شركات التأمين وإعادة التأمين بالمغرب، بعدما تجاوزت الأقساط الصادرة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 سقف 17.6 مليار درهم، في ارتفاع بنسبة 5.4 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. أرقام تعكس، من جهة، اتساع سوق التأمين وتنامي حجم الأموال التي تدور داخله، لكنها تفتح، من جهة أخرى، نقاشا واسعا حول كلفة التأمين بالنسبة إلى المستهلك المغربي، خصوصا في ظل تصاعد الرسوم والمصاريف المرتبطة بعدد من الخدمات والعقود التأمينية.

وبحسب المعطيات المنشورة، توزعت الأقساط بين التأمين على الحياة والتأمين على غير الحياة، إذ بلغت أقساط فرع الحياة حوالي 9.37 مليار درهم، مسجلة نموا بنسبة 5.2 في المائة، بينما وصلت أقساط فرع غير الحياة إلى 8.25 مليار درهم، بزيادة بلغت 5.6 في المائة. وتعكس هذه المستويات المالية حجم السوق التأمينية المغربية، التي أصبحت تشكل قطاعا اقتصاديا مهما، ليس فقط من حيث رقم المعاملات، وإنما أيضا من حيث الأموال التي تجمعها الشركات مقابل تغطية المخاطر المختلفة للأفراد والمقاولات.

ويبرز ضمن فرع التأمين على الحياة النمو اللافت للمدخرات المرتبطة بالوحدات الحسابية، التي ارتفعت بنسبة 62.9 في المائة لتصل إلى حوالي 799.5 مليون درهم. كما ارتفعت المدخرات بالدرهم بنسبة 1.3 في المائة، فيما سجلت عقود الوفاة نموا بنسبة 6.9 في المائة.

أما في التأمين على غير الحياة، فقد سجلت بعض الفروع ارتفاعات قوية، في مقدمتها القبولات التي ارتفعت بنسبة 22.6 في المائة، والتأمين المرتبط بالنقل بنسبة 21.2 في المائة، إضافة إلى حوادث الشغل والأمراض المهنية التي ارتفعت بنسبة 14 في المائة.

وفي الوقت الذي تكشف فيه هذه الأرقام عن دينامية مالية متواصلة داخل القطاع، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام سؤال آخر يتعلق بكلفة هذه الخدمات، خاصة مع تزايد الشكاوى والنقاشات بشأن الرسوم والتكاليف التي تضاف إلى بعض المنتجات والخدمات التأمينية. فالمواطن لا ينظر إلى أرقام الأقساط الإجمالية فقط، وإنما يواجه بشكل مباشر قيمة ما يؤديه سنويا مقابل التأمين، سواء تعلق الأمر بالسيارات أو السكن أو التأمين الصحي أو عقود الادخار والحياة.

وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش: كلما اتسع سوق التأمين وارتفعت الأقساط المحصلة، كلما أصبح من الضروري تعزيز وضوح الأسعار والرسوم بالنسبة للمستهلك، حتى يكون قادرا على معرفة القيمة الحقيقية للخدمة التي يشتريها، وما إذا كانت الزيادات تعكس بالفعل ارتفاع تكلفة المخاطر والخدمات أم أنها تتحول إلى أعباء إضافية على المؤمن لهم.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن التعويضات والمصاريف المؤداة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 بلغت حوالي 10.9 مليار درهم، بارتفاع نسبته 7 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. وتوزعت هذه المبالغ بين 5.3 مليار درهم لفرع التأمين على الحياة و5.6 مليار درهم لفرع غير الحياة.

وتؤكد هذه الأرقام أن شركات التأمين لا تكتفي بجمع الأقساط، بل تؤدي بدورها مبالغ كبيرة في شكل تعويضات ومصاريف مرتبطة بالتزاماتها تجاه المؤمن لهم. غير أن النقاش العمومي لا يتوقف عند حجم التعويضات، بل يمتد إلى مدى سرعة الحصول عليها، ووضوح شروط العقود، ومستوى الخدمات المقدمة، ثم الكلفة النهائية التي يتحملها المواطن.

فبالنسبة إلى المستهلك المغربي، لا يكفي أن يعرف أن قطاع التأمين يحقق نموا في الأقساط، وإنما يريد أن يشعر بأن هذا النمو ينعكس أيضا على جودة الخدمة، وعلى حماية حقوقه كمؤمن له، وعلى شفافية الأسعار والرسوم. وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات المالية للأسر، أصبحت أي زيادة في قيمة التأمين أو الرسوم المرتبطة به عاملا إضافيا يضغط على ميزانية المواطن.

وتزداد حساسية هذا الموضوع عندما يتعلق الأمر بالتأمينات الإلزامية، حيث لا يملك المواطن دائما هامشا واسعا لرفض الخدمة أو الاستغناء عنها. ويصبح النقاش بالتالي مرتبطا بالتوازن بين مصالح شركات التأمين، التي تتحمل مخاطر مالية حقيقية، وبين حق المستهلك في أسعار عادلة ومعلومة مسبقا، وتعويضات فعالة وخدمات ذات جودة.

كما أن نمو الأقساط بنسبة 5.4 في المائة، مقابل ارتفاع التعويضات والمصاريف بنسبة 7 في المائة، يبرز حركة مالية مهمة داخل القطاع، ويؤكد استمرار الطلب على منتجات التأمين بمختلف أنواعها. لكن هذه الدينامية تحتاج، في المقابل، إلى مواكبة رقابية وتواصلية أكبر، خصوصا فيما يتعلق بالرسوم والشروط التعاقدية التي قد لا تكون واضحة بالشكل الكافي بالنسبة لجميع الزبناء.

المطلوب اليوم ليس وضع شركات التأمين في مواجهة المستهلك، وإنما ضمان توازن حقيقي داخل السوق. فالشركات تحتاج إلى هوامش مالية تمكنها من مواجهة المخاطر والاستمرار في الاستثمار، بينما يحتاج المواطن إلى حماية فعالة من الرسوم غير الواضحة والتكاليف التي يشعر بأنها تتزايد دون تحسن مواز في مستوى الخدمة.

وبين 17.6 مليار درهم من الأقساط و10.9 مليارات درهم من التعويضات والمصاريف خلال فصل واحد، تبدو سوق التأمين المغربية أمام مرحلة تتطلب المزيد من الشفافية. فكلما كبرت الأرقام وتوسعت السوق، ارتفعت معها مسؤولية القطاع والجهات الرقابية في ضمان أن لا يتحول نمو التأمين إلى فاتورة إضافية تثقل كاهل المستهلك المغربي، وأن يصبح التأمين فعلا أداة للحماية والأمان، وليس مجرد تكلفة جديدة على ميزانية الأسر والمقاولات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.