تقليص دعم المحروقات وغضب المهنيين يزداد
عاد ملف دعم مهنيي النقل إلى واجهة الاحتجاجات، بعد قرار تقليص قيمة الدعم الحكومي المخصص لقطاع النقل بنسبة تناهز 40 في المائة، في وقت لا تزال فيه أسعار المحروقات مرتفعة، وهو ما فجّر موجة جديدة من الغضب في صفوف المهنيين ونقاباتهم، التي اعتبرت الخطوة تراجعاً واضحاً عن التزامات الحكومة وتنصلاً من مسؤوليتها تجاه قطاع يعيش منذ سنوات على وقع ارتفاع كلفة الاستغلال وتراجع القدرة الشرائية.
ولم يكن اعتراض المهنيين منصباً فقط على قيمة التقليص، وإنما على الطريقة التي جرى بها تدبير القرار، إذ تؤكد النقابات أن الخفض تم دون إعلان مسبق أو توضيح حكومي، ودون أن تتم الإشارة إليه عند فتح استمارات الاستفادة من الدعم. وترى التنظيمات المهنية أن تغيير قيمة الدعم بعد انطلاق مساطر الاستفادة يطرح علامات استفهام كبيرة حول شفافية تدبير هذا الملف، خصوصاً أن المهنيين بنوا حساباتهم والتزاماتهم المالية على أساس الدعم الذي تم اعتماده سابقاً.
ويأتي هذا التطور في سياق متوتر أصلاً، بعدما سجل القطاع، وفق النقابات، تأخراً في صرف عدد من المستحقات، فضلاً عن إلغاء الدعم المتعلق بشهر يونيو والنصف الأول من يوليوز، واستمرار التأخر في فتح حصة النصف الثاني من غشت. وهي وضعية تعتبرها النقابات دليلاً إضافياً على وجود ارتباك في تدبير الدعم الحكومي، في وقت يظل فيه النقل العمومي وسيارات الأجرة من أكثر القطاعات تأثراً المباشر بتقلبات أسعار المحروقات.
وتؤكد النقابات أن الدعم الاستثنائي الذي أقرته الحكومة لم يكن امتيازاً مجانياً لفائدة المهنيين، وإنما جاء في سياق استثنائي فرضته الارتفاعات الكبيرة التي عرفتها أسعار المحروقات، والتي انعكست بشكل مباشر على تكاليف النقل وعلى مداخيل السائقين والمستغلين. ولذلك، فإن تقليص هذا الدعم بشكل مفاجئ، دون تقديم مبررات واضحة أو فتح حوار مع ممثلي القطاع، ينظر إليه مهنيو النقل باعتباره تراجعاً عن معالجة تداعيات أزمة لم تنته بعد.
وتذهب النقابات أبعد من ذلك عندما تربط القرار بالمرحلة السياسية التي تمر منها البلاد، معتبرة أن الحكومة الحالية تقترب من نهاية ولايتها، وأن طريقة تدبير ملف الدعم قد تؤدي إلى ترحيل الاحتقان الاجتماعي إلى الحكومة المقبلة. وهو اتهام ثقيل يعكس حجم فقدان الثقة بين المهنيين والجهات الحكومية المكلفة بالملف، خصوصاً أن قطاع النقل يرتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين وبأسعار عدد من الخدمات والسلع.
ويرى المهنيون أن الحكومة لا يمكن أن تتعامل مع الدعم باعتباره قراراً ظرفياً يمكن تغيير قيمته في أي وقت، لأن أثره يتجاوز العلاقة المباشرة بين الدولة وأرباب سيارات الأجرة، ويمس أيضاً التوازن الاقتصادي والاجتماعي لقطاع يشغل آلاف السائقين ويعيل عدداً كبيراً من الأسر.
في مواجهة قرار التقليص، رفعت النقابات سقف مطالبها، مطالبة الحكومة بالتراجع الفوري عن خفض قيمة الدعم وإعادته إلى مستواه السابق، إلى جانب الكشف بشكل واضح عن المعايير والأسس التي اعتمدت لاتخاذ القرار، وصرف جميع المستحقات العالقة لفائدة المهنيين.
وتعتبر النقابات أن استمرار الحكومة في تقليص الدعم في ظل بقاء أسعار المحروقات عند مستويات مرتفعة قد يضع السائقين أمام معادلة اقتصادية صعبة، خصوصاً أن ارتفاع تكلفة الوقود ينعكس مباشرة على المصاريف اليومية للسيارات، من الصيانة والتأمين إلى باقي تكاليف الاستغلال. وبالتالي، فإن خفض الدعم دون إيجاد بدائل عملية قد يدفع جزءاً من المهنيين إلى مواجهة خسائر إضافية أو البحث عن وسائل أخرى لتعويض ارتفاع التكاليف.
ولا تخفي التنظيمات المهنية تخوفها من أن يتحول الملف إلى مصدر جديد للاحتجاج والتصعيد، خصوصاً إذا لم تقدم الحكومة توضيحات مقنعة بشأن أسباب تقليص الدعم، أو إذا استمر تأخر صرف المستحقات. فالقطاع سبق أن عرف احتجاجات متكررة بسبب المحروقات وظروف العمل، وأي قرار جديد يزيد من الضغط الاقتصادي يمكن أن يعيد أجواء التوتر إلى الشارع.
وتطالب النقابات كذلك بفتح نقاش جدي حول مستقبل الدعم المخصص للنقل، بدل التعامل معه من خلال قرارات متفرقة ومؤقتة. فالمطلوب، حسب المهنيين، هو وضع رؤية واضحة تحدد طبيعة الدعم وقيمته وشروط الاستفادة منه، مع ضمان استمراريته وشفافية مساطر صرفه، بما يسمح للمهنيين بتدبير نشاطهم على أساس معطيات مستقرة.
وفي جانب آخر من الملف، وجهت النقابات رسائل إلى مستغلي سيارات الأجرة، داعية إياهم إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه السائقين العاملين على سياراتهم، وتسليمهم حصتهم من الدعم وعدم الالتفاف على حقوقهم. ويكشف هذا الجانب عن تعقيد إضافي في منظومة الدعم، حيث لا تقتصر الإشكالات على علاقة المهنيين بالحكومة، وإنما تمتد أيضاً إلى العلاقة بين مالكي أو مستغلي سيارات الأجرة والسائقين.
وبينما تبرر الحكومات عادة إجراءاتها المرتبطة بالدعم بالظروف الاقتصادية وبضرورة ترشيد النفقات، يرى مهنيون أن أي مراجعة للدعم يجب أن تكون مسبوقة بحوار واضح مع القطاع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمساعدة أُقرت أساساً لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات.
ويضع قرار تقليص الدعم الحكومة أمام اختبار سياسي واجتماعي في نهاية ولايتها، إذ إن طريقة التعامل مع الملف ستحدد ما إذا كان الأمر يتعلق بإجراء مالي مؤقت فرضته الظروف، أم بداية لتراجع تدريجي عن دعم قطاع النقل. وفي الحالتين، فإن غياب التواصل الرسمي الواضح يترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات، ويغذي اعتقاد المهنيين بأن الحكومة تتجه إلى التخلي تدريجياً عن التزاماتها تجاه القطاع، بينما تخشى النقابات من أن تنتهي الولاية الحكومية بترك ملف النقل مثقلاً بالاحتقان والمطالب، لتجد الحكومة المقبلة نفسها أمام أزمة اجتماعية جاهزة للانفجار.