مدرسة الحياة والفضيلة بمراكش: منارة التعليم الحر ورمز النضال الوطني وصون الهوية المغربية

0

بقلم.الشاعرة مليكة العاصمي.

تُعد مدرسة الحياة والفضيلة، المعروفة لدى المراكشيين باسم «مدرسة الفضيلة»، والواقعة بحي حارة الصورة، إحدى المحطات البارزة في تاريخ التعليم الحر بمدينة مراكش، لما اضطلعت به من دور تربوي وثقافي ووطني، وما جسدته من إيمان راسخ برسالة العلم في بناء الإنسان وصيانة الهوية الوطنية.

وترتبط ذاكرة هذه المؤسسة باسم الفقيه أحمد بن الحسن العاصمي، رحمه الله، والد الشاعرة المغربية والأيقونة الشعرية الأستاذة مليكة العاصمي، الذي وُلد بمدينة مراكش سنة 1898، واشتهر بين أهلها بلقب «الحيسوبي»، كما عُرف بمدير مدرسة الفضيلة، التي ارتبط اسمه بها وبمسيرتها التعليمية.

نشأ الفقيه أحمد بن الحسن العاصمي في أسرة محافظة ومتشبعة بالقيم الوطنية، وعاش في رحاب المدينة العتيقة، متنقلاً بين أحيائها، من الرحبة القديمة إلى روض العروس، وصولاً إلى حارة الصورة، حيث توجد المدرسة التي عُرفت باسم مدرسة الفضيلة للبنات.

وتلقى الراحل أصول القراءة والكتابة على أيدي نخبة من الأساتذة الأجلاء، قبل أن يتوسع في تحصيل المعارف والعلوم، ويبرز في مجالات متعددة، شملت الفقه والشريعة وأصول الدين، وعلم المنطق وعلم الكلام، إلى جانب علم التوقيت والحساب والفرائض، واللوغاريتم، والفلك والتنجيم. كما عُرف باهتمامه العملي بحساب الأوقات، إذ كان يتولى إعداد حصص التوقيت الخاصة بشهر رمضان، فضلاً عن معرفته بالساعات المائية والرملية والحائطية، بما يعكس سعة اطلاعه وتنوع معارفه العلمية.

ولم يكن أحمد بن الحسن العاصمي مجرد رجل علم ومعرفة، بل كان أيضاً مناضلاً وطنياً عُرف بثبات مواقفه وشجاعته في الدفاع عن مبادئه خلال مرحلة الحركة الوطنية. وقد جمع بين دماثة الأخلاق وحسن السلوك والوعي بأهمية التعليم في مواجهة الاستعمار، مؤمناً بأن نشر المعرفة يشكل أحد المسارات الأساسية لتحرير المجتمع وترسيخ استقلاله الفكري والثقافي.

وفي هذا السياق، أسهم الراحل، إلى جانب نخبة من رجال الحركة الوطنية، في ترسيخ تجربة التعليم الحر بمراكش، من خلال تأسيس مدرسة «الحياة» ومدرسة «الفضيلة»، الموجهتين إلى أبناء المدينة وبناتها. وقد تجاوز دور هاتين المؤسستين حدود التلقين المدرسي، ليصبح جزءاً من الذاكرة التاريخية والاجتماعية للمراكشيين، وشاهداً على مرحلة اتخذ فيها التعليم وسيلة لمقاومة الاستعمار وصون الشخصية المغربية.

وكانت الرسالة التي حملها رواد هذه التجربة واضحة في جوهرها: تعليم متاح للجميع، من دون قيد أو شرط، مع إيلاء اهتمام خاص بتعليم الفتيات والمرأة، وتمكينهن من الثقافة العربية والإسلامية على أيدي نخبة من رجال العلم والمعرفة. وقد مثّل هذا التوجه تعبيراً عن وعي مبكر بأهمية المرأة في بناء المجتمع، وبضرورة توسيع فرص التعلم لتشمل مختلف فئاته.

وانطلقت هذه التجربة في مراكش، المدينة التي احتضنت عبر تاريخها علماء وشعراء ومفكرين كباراً، وسط نسيج اجتماعي متماسك وقاعدة شعبية متلاحمة فكرياً واجتماعياً. واعتمدت المدرسة اللغة العربية أداة للتعبير والتواصل ونقل المعرفة، في إطار تربوي وتكويني يستند إلى قيم الهوية والثقافة، ويهدف إلى ضمان استمرارية المشروع التعليمي وتحقيق الغايات التي أُنشئ من أجلها.

وهكذا، تظل مدرسة الحياة والفضيلة أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية في ذاكرة مراكش؛ إنها شاهد على مرحلة من النضال الوطني اتخذت فيها المدرسة موقعاً أساسياً في معركة الوعي والتحرر. كما يظل اسم الفقيه أحمد بن الحسن العاصمي، رحمه الله، مرتبطاً بإرث علمي وتربوي ووطني يعكس إيمان جيل كامل بأن التعليم حق للجميع، وأن بناء الإنسان بالمعرفة هو أحد الأسس المتينة لصيانة الهوية وصناعة المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.