رصد شبهات توظيف المال العمومي انتخابيا من قبل الجماعات الترابية

0

تتجه وزارة الداخلية إلى تشديد مراقبة مساطر توزيع الدعم العمومي المخصص للجمعيات من طرف عدد من الجماعات الترابية، بعد توصل المصالح المركزية بتقارير رفعتها الإدارات الترابية بعدة جهات، تضمنت معطيات حول شكايات وتظلمات تتحدث عن اختلالات في تدبير منح الدعم، وشبهات توجيهها نحو جمعيات مقربة من مسؤولين ومنتخبين محليين، في وقت تم فيه إقصاء جمعيات راكمت سنوات من العمل الميداني.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التقارير الواردة من عدد من الأقاليم التابعة لجهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي وبني ملال-خنيفرة، تضمنت ملاحظات بشأن طريقة توزيع الدعم العمومي، بعدما عبرت جمعيات عن احتجاجها على ما اعتبرته غيابا لمعايير تكافؤ الفرص والشفافية، مقابل استفادة جمعيات حديثة التأسيس أو محسوبة على محيط رؤساء جماعات ومنتخبين محليين.

وأثارت هذه المعطيات مخاوف من إمكانية استغلال الدعم العمومي في خدمة اعتبارات انتخابية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى تشديد المراقبة على تدبير هذه الاعتمادات، والتأكيد على ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة لمنح الدعم، بما يضمن حماية المال العام ومنع أي تضارب للمصالح أو استغلال للصفة الانتدابية لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية.

وتفيد التقارير المتداولة بأن بعض الجماعات، رغم محدودية إمكانياتها المالية، خصصت اعتمادات مالية مهمة لدعم جمعيات معينة، بينما حصلت جمعيات معروفة بحضورها الميداني وأنشطتها الاجتماعية والثقافية والرياضية على مبالغ محدودة، الأمر الذي أثار استياء الفاعلين الجمعويين ودفعهم إلى رفع تظلمات إلى السلطات الإقليمية.

كما تتحدث هذه التقارير عن ظهور جمعيات حديثة التأسيس تمكنت من الاستفادة من منح مالية مهمة في ظرف وجيز، وهو ما عزز مطالب بإخضاع جميع ملفات الدعم لرقابة دقيقة والتأكد من احترامها لمبادئ الشفافية والمساواة وربط الدعم ببرامج واضحة ونتائج قابلة للتقييم، بعيدا عن أي اعتبارات حزبية أو انتخابية.

وفي هذا السياق، عززت وزارة الداخلية توجهها الرامي إلى إحكام الرقابة على منح الجمعيات، بعدما أصبح تدبير جزء من الاعتمادات المخصصة للدعم، وخاصة المتعلقة بالأنشطة الثقافية والرياضية والفنية والمنح التكميلية، من اختصاص الولاة والعمال، في إطار إجراءات تروم ترشيد النفقات والرفع من مستوى الحكامة في تدبير المال العمومي، بعدما كانت هذه الاختصاصات تمارس سابقا بشكل أوسع من طرف المجالس المنتخبة.

ويأتي هذا التوجه في سياق الحرص على ضمان احترام القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية، والتي تشترط أن يتم منح الدعم بموجب مقررات يصادق عليها المجلس الجماعي، مع تحديد الجمعيات المستفيدة والمبالغ المخصصة لها بشكل واضح، وإدراج هذه الاعتمادات ضمن الميزانية المخصصة لدعم النسيج الجمعوي.

كما تمنع المقتضيات القانونية إبرام اتفاقيات شراكة أو تمويل مع جمعيات يكون أحد أعضائها عضوا بالمجلس الجماعي نفسه، تفاديا لأي حالة من حالات تضارب المصالح أو استغلال النفوذ، وهي المقتضيات التي تشدد وزارة الداخلية على ضرورة احترامها من طرف جميع الجماعات الترابية.

ويرى متتبعون أن تشديد الرقابة على دعم الجمعيات يكتسي أهمية خاصة في المرحلة الحالية، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الجمعيات في الحياة المحلية، وما يمكن أن يترتب عن توجيه الدعم خارج المعايير القانونية من المساس بمبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الجمعويين، أو تحويل المال العمومي إلى وسيلة لاستقطاب الأنصار وبناء قواعد انتخابية قبل المواعيد السياسية المقبلة.

ويؤكد مهتمون بالحكامة الترابية أن ربط منح الدعم بمعايير موضوعية، تعتمد على البرامج المنجزة وحجم الاستفادة المجتمعية وشفافية التدبير المالي، يمثل المدخل الأساسي لتعزيز الثقة في تدبير الجماعات الترابية، وحماية المال العام من كل أشكال الاستغلال أو التوظيف السياسي.

وتبقى الأنظار متجهة إلى مآل هذه التقارير والإجراءات الرقابية التي باشرتها وزارة الداخلية، في انتظار ما ستسفر عنه عمليات التدقيق والمراقبة، ومدى انعكاسها على تكريس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان وصول الدعم العمومي إلى الجمعيات الجادة التي تقدم خدمات فعلية للمواطنين، بعيدا عن منطق الولاءات أو الحسابات الانتخابية الضيقة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.