الحكومة تتخلى عن تسقيف أسعار المحروقات

0

تجد الحكومة نفسها أمام معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة، عنوانها ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، في وقت اختارت فيه استبعاد العودة إلى تسقيف أسعار المواد البترولية أو إحياء نظام المقاصة، مقابل الإعلان عن حزمة من التدابير الجديدة لمراقبة الأسواق ومحاصرة الممارسات التجارية التي تساهم في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية. وبين رفض تحمل كلفة مالية إضافية لدعم المحروقات، والبحث عن آليات جديدة لضبط مسالك التوزيع وهوامش الربح، تحاول الحكومة تقديم مقاربة بديلة للتعامل مع موجة الغلاء التي باتت تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.

وكان فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، واضحا في موقف الحكومة من المطالب الداعية إلى تسقيف أسعار المحروقات، مؤكدا، خلال مناقشة مشروع قانون المالية بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن الحكومة لن تلجأ إلى هذا الخيار، كما لن تعود إلى نظام المقاصة لدعم المواد البترولية، رغم الارتفاع المسجل في الأسواق الدولية وما يترتب عنه من انعكاسات على كلفة الاستيراد وأسعار البيع في السوق الوطنية.

وبرر لقجع هذا التوجه بالكلفة المالية المرتفعة التي ستترتب عن إعادة العمل بنظام المقاصة، موضحا أن دعم المواد البترولية قد يكلف ميزانية الدولة ما بين 50 و70 مليار درهم، وهو مبلغ اعتبر أن الحكومة مطالبة بمصارحة المواطنين بشأنه، في ظل الإكراهات المرتبطة بتوازنات المالية العمومية وتعدد الحاجيات الاجتماعية والاستثمارية.

ويضع هذا الموقف حدا، في الوقت الراهن، للتطلعات التي كانت تراهن على تدخل حكومي مباشر لتخفيف انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات، خصوصا أن هذه المادة تشكل أحد المكونات الأساسية لكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، بما يجعل أي زيادة في أسعارها قابلة للانتقال إلى أسعار عدد واسع من السلع والخدمات.

كما تناول لقجع المطالب المتعلقة بمراجعة الضرائب المفروضة على المحروقات، موضحا أن أي تخفيض ضريبي ينبغي أن تكون له انعكاسات ملموسة على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك. واعتبر أن خفض الضرائب لا يعني بالضرورة تسجيل انخفاض مماثل في أسعار البيع، بالنظر إلى تعدد مكونات الكلفة المرتبطة بالاستيراد والتوزيع وباقي حلقات سلسلة التسويق.

وفي السياق نفسه، أعاد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فتح النقاش حول مستقبل مصفاة «سامير»، معتبرا أن معالجة هذا الملف لا يمكن اختزالها في قرار سياسي أو إداري يقضي بإعادة تشغيلها، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المطلوبة والتحديات التقنية والاقتصادية التي تواجه صناعة تكرير النفط. وأشار إلى ضرورة دراسة قدرات التخزين والموقع الجغرافي والجدوى الاقتصادية، بتنسيق مع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بما يسمح بتقييم واقعي لإمكانيات إعادة تشغيل المصفاة.

وفي مقابل استبعاد التدخل المباشر في أسعار المحروقات، تحاول الحكومة توسيع دائرة تدخلها نحو ضبط الأسواق ومحاصرة الاختلالات التي تعرفها عمليات التوزيع والتسويق، خصوصا في المواد الاستهلاكية الأساسية. وفي هذا الإطار، قدم رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، أمام مجلس المستشارين، ملامح توجه حكومي جديد يقوم على مراقبة هوامش الربح وتعزيز الشفافية في مسالك التوزيع، إلى جانب تشديد المراقبة على الممارسات التجارية التي تؤثر في الأسعار.

وأوضح مزور أن الحكومة تشتغل على إعادة تنظيم حلقات التوزيع، والاستفادة من الإمكانيات التي ستتيحها الشركات الجهوية التي ستدخل هذا المجال، بهدف تقليص الهوامش غير المبررة وإضفاء مزيد من الشفافية على العلاقة بين أسواق الجملة والمستهلكين، وبين المنتجين والمستهلكين، حتى تكون مكونات الأسعار أكثر وضوحا أمام المواطنين.

ويأتي هذا التوجه في سياق محاولة معالجة أحد أبرز الاختلالات التي تطبع السوق الوطنية، والمتمثل في تعدد الوسطاء وتفاوت الأسعار بين مراحل الإنتاج والتوزيع والبيع النهائي، وهي وضعية تثير باستمرار تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من الفوارق المسجلة في الأسعار، ومدى انعكاسها على دخل المنتجين والقدرة الشرائية للمستهلكين.

وكشف وزير الصناعة والتجارة أن مصالح وزارته أنجزت 242 ألفا و780 عملية مراقبة منذ بداية السنة، مؤكدا استمرار العمل على حماية حقوق المستهلكين والتصدي للممارسات التجارية غير القانونية. كما أعلن عن إعداد صياغة جديدة للقانون المتعلق بحماية المستهلك، تروم إقرار حقوق وتدابير إضافية، خاصة في مواجهة التحولات التي تعرفها التجارة الإلكترونية والممارسات التجارية الجديدة.

وتشمل التدابير الحكومية أيضا تشديد مراقبة المنتجات التي قد تشكل مخاطر على سلامة المستهلكين، من قبيل شواحن الهواتف والسخانات ومواد التجميل، مع العمل على منع تسويق المنتجات غير المطابقة لمعايير السلامة والجودة. كما أكد مزور أهمية دعم جمعيات حماية المستهلك، باعتبارها شريكا مكملا لعمل الدولة في رصد الاختلالات والتفاعل مع شكايات المواطنين، مع التوجه نحو تعزيز قدراتها والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في أداء مهامها.

وامتد النقاش الحكومي من مراقبة الأسعار، إلى إصلاح أسواق الجملة وإعادة تنظيم منصات التسويق، من خلال منح أدوار جديدة للجهات والجماعات الترابية، وتشجيع الشركات الجهوية على دخول السوق والمساهمة في تحسين توزيع المواد الأساسية، بما يضمن، وفق التصور الحكومي، تقوية موقع المنتجين وتحسين الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين.

وتزامنا مع هذه التصريحات، أعلنت رئاسة الحكومة إحداث لجنة بين وزارية تضم مختلف القطاعات المعنية، ستعقد اجتماعات دورية لتتبع تقلبات الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية القدرة الشرائية، مع إيلاء اهتمام خاص للمواد التي تعرف إقبالا واسعا، ولا سيما خلال شهر رمضان.

وجاء الإعلان عن هذه اللجنة عقب اجتماع ترأسته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بالرباط، خصص لتدارس تطورات الوضع الاقتصادي الوطني وانعكاسات تقلبات الأسعار على السوق والقدرة الشرائية للأسر. وأكدت المنصوري أن حماية القدرة الشرائية وصيانة التماسك الاجتماعي تمثلان أولوية حكومية، مشددة على ضرورة اتخاذ إجراءات عملية وملموسة للتخفيف من آثار التحولات الاقتصادية الدولية.

ويكشف تزامن هذه التحركات عن محاولة حكومية للانتقال من منطق الدعم المباشر للمحروقات، الذي استبعده لقجع بسبب كلفته المالية، إلى مقاربة ترتكز على المراقبة والتدخل في حلقات التوزيع ومحاربة الهوامش غير المبررة. غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى قدرة هذه الإجراءات على الانتقال من التصريحات والاجتماعات واللجان إلى نتائج ملموسة في الأسواق.

فالمواطن المغربي لا ينتظر فقط معرفة مكونات الأسعار أو عدد عمليات المراقبة المنجزة، بقدر ما ينتظر انعكاس هذه التدابير على فاتورة مشترياته اليومية، وعلى أسعار المواد الأساسية والنقل والخدمات. وبين رفض تسقيف المحروقات والوعود بمحاصرة فوضى الأسعار، تظل فعالية المقاربة الحكومية رهينة بقدرتها على ضبط الوسطاء والتوزيع وضمان انتقال أي انخفاض في كلفة الإنتاج والاستيراد إلى المستهلك النهائي، بدل استمرار الأسعار في اتجاه واحد، حتى عندما تتراجع مبررات ارتفاعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.