قضية إسكوبار الصحراء: بعيوي يدان بـ12 سنة والناصري بـ10 سنوات قراءة. في الاحكام

0

مجلة نادي الصحافة

شكلت الأحكام التي أصدرتها غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مساء الخميس، محطة حاسمة في واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل في المغرب خلال السنوات الأخيرة، بعدما أسفرت عن إدانة مسؤولين منتخبين سابقين وبرلمانيين ورجال أعمال وموثقين في الملف الذي اشتهر إعلاميا باسم “إسكوبار الصحراء”.

وقضت المحكمة بإدانة الرئيس السابق لجهة الشرق عبد النبي بعيوي بالسجن النافذ لمدة 12 سنة، مع تغريمه مبلغ 150 ألف درهم، فيما حكمت على الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي والبرلماني السابق سعيد الناصري بالسجن النافذ لمدة عشر سنوات، وهي العقوبة نفسها التي صدرت في حق البرلماني السابق بلقاسم مير.

كما أصدرت المحكمة أحكاما بالسجن النافذ لمدة تسع سنوات في حق كل من عبد الرحيم بعيوي، والعربي الطيبي، وإسماعيل بلمعلم، فيما تراوحت العقوبات الصادرة في حق باقي المتابعين بين ثماني سنوات وسنتين حبسا نافذا، مع التصريح ببراءة المتهم نصر الدين بنعبيد من المنسوب إليه.

ولم تتوقف الأحكام عند العقوبات السالبة للحرية، إذ أمرت المحكمة كذلك بمصادرة مبالغ مالية مهمة من أموال عدد من المدانين، بلغت عشرة ملايين درهم بالنسبة لعبد النبي بعيوي، وثمانية ملايين درهم لعبد الرحيم بعيوي، وستة ملايين درهم لسعيد الناصري، وأربعة ملايين درهم لبلقاسم مير، وثلاثة ملايين درهم لكل من العربي الطيبي وإسماعيل بلمعلم.

وفي الجانب المدني والجمركي، حملت المحكمة عددا من المدانين مسؤولية أداء تعويضات مالية ضخمة لفائدة إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، وصلت في بعض المطالب إلى أربعة مليارات درهم، وذلك ارتباطا بشحنات كبيرة من مخدر الشيرا، إضافة إلى مبالغ أخرى ناتجة عن مخالفات لقانون الصرف والجمارك وتحويلات مالية بالعملة الصعبة.

وتعود جذور هذه القضية إلى اعتقال المواطن المالي الحاج أحمد بن إبراهيم، المعروف بلقب “إسكوبار الصحراء”، والذي كان يقضي عقوبة سجنية في المغرب على خلفية قضية مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات. وخلال التحقيق معه، أدلى بتصريحات اتهم فيها عددا من الشخصيات النافذة بالاستيلاء على ممتلكاته وعقاراته وأمواله، مقابل تقديم الحماية والتسهيلات له خلال فترة نشاطه في شبكات التهريب الدولي للمخدرات.

وأطلقت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على تلك المعطيات، تحقيقا موسعا استمر عدة أشهر، شمل الاستماع إلى عشرات الأشخاص، وإجراء مواجهات مباشرة، وإنجاز خبرات مالية وعقارية، وتتبع تحويلات بنكية وعقود بيع ووثائق مختلفة، قبل أن تحيل نتائج أبحاثها على النيابة العامة، التي قررت متابعة المتهمين أمام القضاء.

وشملت لائحة التهم الموجهة إلى المتابعين مجموعة من الجرائم، من بينها تكوين عصابة إجرامية، والاتجار الدولي في المخدرات، وغسل الأموال، والتزوير في محررات رسمية واستعمالها، وإخفاء متحصلات الجريمة، واستغلال النفوذ، والنصب ومحاولة النصب، وتهريب العملة، والضغط على أشخاص للإدلاء بتصريحات كاذبة، إلى جانب مخالفات جمركية وصرفية، فضلا عن المشاركة في إدخال وإخراج أشخاص من وإلى التراب الوطني في إطار شبكة منظمة.

كما كشف الملف عن ارتباط بعض الوقائع بشحنات ضخمة من مخدر الشيرا، بلغ حجم بعضها 40 طنا و50 طنا و80 طنا، فيما وصلت إحدى الشحنات، بحسب معطيات الملف، إلى نحو 200 طن، وهو ما انعكس على قيمة المطالب المالية التي تقدمت بها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة أمام المحكمة.

واكتسبت القضية اهتماما واسعا بالنظر إلى المكانة التي كان يشغلها عدد من المتابعين، إذ انتقل سعيد الناصري من رئاسة نادي الوداد الرياضي وعضوية البرلمان إلى قاعة الجنايات، فيما فقد عبد النبي بعيوي رئاسة جهة الشرق وموقعه السياسي، في قضية اعتبرت من أبرز الملفات التي طالت مسؤولين منتخبين خلال السنوات الأخيرة.

كما امتدت المتابعات لتشمل موثقين ورجال أعمال ومقاولين وأشخاصا يشتبه في ارتباطهم بشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، ما منح القضية أبعادا سياسية واقتصادية وقانونية واسعة، وجعلها من أكبر المحاكمات التي عرفها المغرب في هذا المجال.

وامتدت جلسات المحاكمة لأشهر طويلة، شهدت مناقشة آلاف الصفحات من المحاضر والوثائق والخبرات والتسجيلات، إضافة إلى تنظيم مواجهات مباشرة بين المتهمين والحاج أحمد بن إبراهيم، الذي جرى تنصيبه طرفا مدنيا في الملف.

وخلال مختلف مراحل المحاكمة، تمسك المتهمون الرئيسيون ببراءتهم، واعتبروا أن تصريحات “إسكوبار الصحراء” تضمنت تناقضات ولا ترقى إلى مستوى الأدلة الكافية للإدانة، في حين أكدت النيابة العامة أن نتائج الأبحاث والتحريات، وما رافقها من خبرات ووثائق ومعطيات مادية، عززت تلك التصريحات وأسست لقيام مسؤوليات جنائية استوجبت المتابعة والإدانة.

وبالأحكام الصادرة، تكون المحكمة قد وضعت حدا للمرحلة الابتدائية من واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وإثارة في السنوات الأخيرة، بعدما جمعت بين اتهامات ثقيلة، وأسماء بارزة في عالم السياسة والرياضة والأعمال، وعقوبات سالبة للحرية، ومصادرات مالية، وتعويضات جمركية غير مسبوقة، في انتظار ما قد تعرفه القضية من تطورات خلال مراحل التقاضي اللاحقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.