مؤسسة دستورية: حماية الفئات الهشة بنجاح الدولة الاجتماعية

0

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره السنوي برسم سنة 2025، الذي قدم قراءة شاملة لمسار الإصلاحات الاجتماعية، مسجلاً عدداً من المكتسبات، لكنه في المقابل نبه إلى تحديات حقيقية تتطلب مواصلة الإصلاح وربط السياسات العمومية بمؤشرات النجاعة والإنصاف.

وأشار المجلس إلى أن سنة 2025 عرفت استمرار الحوار الاجتماعي داخل قطاعات حيوية عرفت في السابق توترات متكررة، وفي مقدمتها التربية الوطنية والصحة والتعليم العالي، معتبراً أن الحفاظ على قنوات الحوار أسهم في ضمان استقرار المرافق العمومية وتعزيز أدوار الدولة الاجتماعية. كما اعتبر أن دخول القانون التنظيمي المنظم لممارسة حق الإضراب حيز التنفيذ يشكل محطة مهمة لتحقيق التوازن بين حماية حق دستوري وضمان استمرارية الخدمات العمومية، غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بحسن التنزيل، واحترام حقوق مختلف الأطراف، وتعزيز آليات الوقاية من النزاعات الاجتماعية.

وسجل التقرير أيضاً مواصلة تنفيذ الالتزامات المنبثقة عن الاتفاقات الاجتماعية، خاصة صرف الشطر الثاني من الزيادة العامة في أجور موظفي القطاع العام، إلى جانب استمرار إصلاح مدونة الشغل وأنظمة التقاعد، مع التأكيد على أن المرحلة المقبلة تستوجب إعطاء دفعة جديدة للمفاوضات الجماعية، وتقوية جهاز تفتيش الشغل، حتى يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

وفي تقييمه لورش الحماية الاجتماعية، شدد المجلس على أن توسيع التغطية الصحية الإلزامية لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف المنشودة، إذا لم يترافق مع تعزيز المنظومة الصحية بالموارد البشرية الكافية، وتحسين جاذبية المستشفيات العمومية، وضمان الولوج إلى الأدوية والمعدات الطبية، فضلاً عن تسريع إدماج التكنولوجيا الرقمية في مختلف مسارات العلاج والخدمات الصحية.

كما اعتبر أن الدعم الاجتماعي المباشر يمثل أحد أهم الإصلاحات الاجتماعية، لكنه يحتاج إلى تحسين جودة الاستهداف، وربطه بباقي مكونات منظومة الحماية الاجتماعية، مع إخضاعه لتقييم دوري يقيس أثره الحقيقي على الأسر المستفيدة وعلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي قطاع التعليم، سجل التقرير مواصلة توسيع شبكة مدارس الريادة، وتعزيز التعليم الأولي، وتوسيع العرض في مجال التكوين المهني والتعليم العالي، إلا أنه أكد أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في توسيع العرض فقط، بل في تحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وضمان توافق التكوين مع حاجيات سوق الشغل، بما يساهم في تعزيز الإدماج الاقتصادي للشباب. أما في مجال السكن، فقد اعتبر المجلس أن توفير السكن ينبغي أن يقترن بجودة فضاءات العيش، وربطها بخدمات النقل والتعليم والصحة وفرص الشغل، حتى يتحقق مفهوم السكن اللائق بشكل متكامل.

ورغم المؤشرات الإيجابية التي رصدها التقرير، فإنه دق ناقوس الخطر بشأن استمرار عدد من مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي ما تزال تؤثر على فئات واسعة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والأسر محدودة الدخل. فقد حذر من استمرار العوامل البنيوية التي تغذي ظاهرة زواج القاصرات، مثل الانقطاع المبكر عن الدراسة، والفوارق المجالية، والتمييز بين الجنسين، معتبراً أن هذه المعطيات تطرح تساؤلات حول مدى احترام الطابع الاستثنائي للإذن القضائي بزواج القاصرين.

كما توقف التقرير عند استمرار العنف الموجه ضد الأطفال، وخاصة الفتيات، مبرزاً أن نسب العنف المصرح بها لدى الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة ما تزال مرتفعة، خصوصاً في الوسط الحضري، وهو ما يستدعي تعزيز آليات الكشف المبكر عن حالات العنف، وتطوير خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية، وتقوية التنسيق بين المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية والقضائية.

وفي ما يتعلق بتشغيل الأطفال، أشار المجلس إلى أن عدد الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة بلغ حوالي 103 آلاف طفل خلال سنة 2025، بانخفاض يقارب 59 في المائة مقارنة بسنة 2017، وهو تطور إيجابي يعكس استمرار تراجع الظاهرة، إلا أن استمرار ارتباطها الوثيق بالهدر المدرسي والفقر يفرض مواصلة الجهود. فحسب التقرير، فإن 88 في المائة من الأطفال المشتغلين غادروا مقاعد الدراسة، بينما يزاول أكثر من نصفهم أعمالاً مصنفة ضمن الأشغال الخطيرة، ما يكشف أن الظاهرة ليست مجرد قضية تشغيل، بل نتيجة لتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وتعليمية.

وأكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مواجهة هذه الإشكالات تستوجب اعتماد مقاربة مندمجة تجعل من الدعم الاجتماعي المباشر أداة لمساندة الأسر الأكثر هشاشة، إلى جانب تحسين جودة التعليم، ومحاربة الهدر المدرسي، وتوفير خدمات اجتماعية وصحية أكثر فعالية. فنجاح الدولة الاجتماعية، وفق خلاصات التقرير، لن يتحقق فقط بتوسيع البرامج والإصلاحات، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وتقليص الفوارق، وترسيخ العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة في مختلف جهات المملكة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.