الإنفلونزا الموسمية: ساعة التلقيح.. كل ما يجب معرفته وكل ما ينبغي فعله للوقاية

0

بقلم: الدكتور الطيب حمضي

مع حلول موسم الأمراض التنفسية الحادة، تتصدر الإنفلونزا الموسمية المشهد الصحي كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه الأفراد والمجتمعات. ورغم أن النظرة السائدة غالباً ما تختزل الإنفلونزا في كونها مجرد «نزلة برد أقوى من المعتاد»، إلا أن الواقع الصحي والنقاش العلمي يثبتان العكس تماماً؛ فهذه العدوى التنفسية الحادة تخفي خلف صورة «ضربني البرد» عواقب صحية واقتصادية وإنسانية جسيمة، مما يفرض وعياً جماعياً وتحركاً وقائياً فورياً.

مرض لا يجب الاستهانة بخطورته

على الصعيد العالمي، لا يمكن التعامل مع الإنفلونزا باستخفاف، فهي تصيب نحو مليار شخص كل سنة، وتتسبب في أكثر من 5 ملايين حالة إصابة شديدة، فضلاً عن حصدها لارواح تتراوح ما بين 300 ألف و650 ألف شخص سنوياً.

الأعراض والتمييز بين الإنفلونزا والزكام العادي (le rhume)

يخطئ الكثيرون في الخلط بين الإنفلونزا والزكام البسيط، في حين أن الفرق بينهما شاسع من حيث الشدة والأعراض:

الإنفلونزا: تتميز بظهورها المفاجئ والشديد، وتشمل أعراضها ارتفاعاً ملحوظاً في درجة الحرارة (من 38 إلى 40 درجة مئوية)، قشعريرة، سعالاً جافاً، تعباً شديداً وإنهاكاً واضحاً، سيلان الأنف، ألم الحلق، وآلاماً في العضلات والجسم، يضاف إليها أحياناً اضطرابات هضمية كالقيء والإسهال.

الزكام العادي: عدوى تسببها فيروسات مختلفة، وتكون أعراضه بسيطة وغير خطيرة؛ حيث تقتصر عادة على صداع خفيف وسيلان في الأنف، من دون حمى أو تعب شديد أو سعال، وغالباً ما يزول بسهولة بخلاف الإنفلونزا التي قد تتطور إلى مضاعفات خطيرة ومميتة.

أبعد من الرئتين: أزمات قلبية وسكتات دماغية

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن خطر الإنفلونزا يقتصر حصراً على الجهاز التنفسي. والحقيقة العلمية المؤكدة أن الاستجابة الالتهابية العامة التي يسببها الفيروس تنشط كمحفز رئيسي لحوادث قلبية وعائية خطيرة:

يتضاعف خطر احتشاء عضلة القلب عشر مرات خلال الأيام السبعة الأولى التي تلي الإصابة، ويظل مرتفعاً بست مرات خلال 90 يوماً.

يتضاعف خطر الإصابة بالسكتة الدماغية ثماني مرات خلال 28 يوماً بعد الإصابة.

يرتفع خطر الإصابة بقصور القلب بنسبة 20%.

الفئات الأكثر عرضة للخطر وأولويات التلقيح

تشكل الإنفلونزا خطراً حقيقياً وممبتاً لدى الفئات الهشة، وتشمل: الأشخاص الذين تجاوزوا 65 عاماً، الأطفال دون سن الخامسة، المصابين بأمراض مزمنة (كالسكري، ارتفاع ضغط الدم، الربو، وقصور القلب)، ضعاف المناعة، النساء الحوامل، والأشخاص الذين يعانون من السمنة.

وعلى الرغم من أن التلقيح مفيد لكل شخص تجاوز عمره ستة أشهر، إلا أنه يحظى بأولوية قصوى لدى الفئات المعرضة للخطر، ومهنيي الصحة، ومخالطي الأشخاص الأكثر هشاشة لقطع سلسلة انتقال العدوى.

أما بالنسبة للرضع دون ستة أشهر، فنظراً لعدم ملائمة اللقاحات لسنهم، يصبح تلقيح المرأة الحامل أمراً أساسياً؛ لأنه يحميها ويحمي طفلها عبر نقل الأجسام المضادة إليه، سيما من خلال حليب الأم.

لقاح آمن وحماية ثلاثية

باعتماد لقاح واحد، نضمن حماية ثلاثية الأبعاد تشمل: أنفسنا، أحباءنا، ونظام الرعاية الصحية ببلادنا. وقد أثبت اللقاح سلامته بدرجة كبيرة بعد نحو 80 عاماً من الاستخدام ومليارات الجرعات. أما من حيث الفعالية، فيوفر حماية من الإصابة تتراوح بين 50% و90% (بحسب مطابقة السلالات والمناعة)، ويقلل الحالات الشديدة بنسبة 30% إلى 80%، ويخفض الوفيات لدى كبار السن بنسبة تتراوح بين 50% و80%. وعملياً، تُحدث منظمة الصحة العالمية تركيبة اللقاح سنوياً لمواكبة تحوّرات الفيروس.

ساعة التلقيح: لماذا الآن؟

يحتاج اللقاح إلى أسبوعين بعد الحقن ليمنح الجسم حماية مثلى. لذلك، يُعد شهرا أكتوبر ونوفمبر الفترة المثالية لتلقيه، وذلك قُبيل بلوغ الوباء ذروته.

الإنفلونزا في المغرب: معطيات محدّثة

في السياق المغربي، تصيب الإنفلونزا سنوياً ما بين 15% و20% من السكان، وتتسبب في اكتظاظ عيادات الأطباء وأقسام المستعجلات مع دخول الفصل البارد، خاصة مع تسجيل بداية مبكرة وشديدة لموسم الإنفلونزا (2025-2026). ويقع العبء الأكبر للعدوى الوخيمة على فئتين أساسيتين:

الأطفال دون سن الخامسة: يشكلون نحو 30% من حالات الاستشفاء بسبب العدوى التنفسية الحادة الوخيمة.

البالغون من 50 إلى 65 عاماً فما فوق، والمصابون بأمراض مصاحبة: يمثلون النسبة الأكبر من الحالات الشديدة، بنحو 55% من حالات الاستشفاء.

دور الشباب ومسؤوليتهم التضامنية

قد تبدو الإنفلونزا لدى الشباب الأصحاء مجرد وعكة عابرة يتعافون منها خلال سبعة إلى عشرة أيام ونادراً ما تكون قاتلة، لكن «نادراً» لا تعني «أبداً». فهذا المرض قد يعطلهم تماماً عن العمل أو الدراسة لأسبوع كامل مسبباً غياباً مكثفاً.

والأهم من ذلك، أن الشاب السليم الذي يصاب بالفيروس ويستمر في التنقل والاختلاط يتحول إلى “وسيلة متحركة” لنقل العدوى دون أن يدري إلى أشخاص أكثر هشاشة في محيطه (كالأجداد والأقارب ذوي المناعة الضعيفة)، حيث قد تتحول هذه “الإنفلونزا البسيطة” إلى خطر قاتل عليهم. من هنا، يكتسي التلقيح واحترام تدابير النظافة أهمية بالغة بوصفهما صميم المسؤولية التضامنية بين الأجيال.

لماذا تزداد العدوى في فصل البرد؟

يعود تفشي الفيروس بكثافة في الخريف والشتاء إلى تغير أنماط عيشنا وضعف مقاومة أجسادنا عبر ثلاثة عوامل رئيسية:

الأماكن المغلقة: البقاء في فضاءات مغلقة ومزدحمة وضعيفة التهوية بسبب البرد يسهل انتشار الفيروسات.

ضعف المناعة: تؤثر درجات الحرارة المنخفضة على دفاعات الجسم المناعية وعلى الأغشية المخاطية للأنف والحلق والرئتين، مما يجعلها أكثر عرضة للهجمات.

صمود الفيروس: تساعد البرودة الفيروسات على البقاء مدة أطول في الهواء وعلى الأسطح، مضاعفةً بذلك خطر العدوى غير المباشرة.

خلاصة القول: إن الجمع بين التلقيح، والمواظبة على نظافة اليدين، وتجنب المخالطة اللصيقة عند ظهور الأعراض، هو السبيل الآمن لاجتياز فصل الشتاء. وليبقى الشعار الدائم محفوراً في الأذهان: حماية الآخرين تبدأ بحماية أنفسنا.

ــ الدكتور الطيب حمضي: طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية، ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة (FNS)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.