ملف “الفراقشية” يطارد وزراء الحكومة في الانتخابات
تحول ملف دعم المواشي واستيراد أضاحي العيد، من مجرد قضية مرتبطة بالسياسة الفلاحية أو بتدبير الأسعار والأسواق، إلى واحدة من أبرز الأوراق التي تُستعمل في السجال السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026. فكلما اقترب موعد الانتخابات، عادت ملفات الأسعار والدعم والقدرة الشرائية إلى واجهة الخطابات الحزبية، فيما وجد وزراء في الحكومة أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن حصيلة التدبير الحكومي، والرد على الانتقادات التي تحملهم مسؤولية اختلالات مرتبطة بملفات اجتماعية واقتصادية حساسة.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المكلف بالميزانية، خلال لقاء تواصلي بمدينة بركان، لتكشف حجم الضغط السياسي الذي أصبحت تمارسه ملفات الدعم على وزراء الحكومة. لقجع اختار الدفاع عن نفسه في مواجهة الانتقادات المرتبطة بملف استيراد أضاحي العيد، متسائلاً عما إذا كان هو من قام باستيراد الخرفان أو إدخالها إلى التراب الوطني أو تسلم الدعم أو تولى عملية شرائها.
ورغم أن تصريحاته جاءت في سياق الرد على خصوم سياسيين ومنتقدين للحكومة، فإنها تعكس بوضوح اتساع دائرة الجدل حول الطريقة التي تم بها تدبير ملف المواشي والدعم، خصوصاً بعدما تحول الموضوع إلى مادة حاضرة في النقاش العمومي، وإلى عنوان من عناوين الحملات الانتخابية المبكرة.
فالانتخابات لا تُخاض فقط بالبرامج والشعارات، وإنما كذلك بالملفات التي تلامس الحياة اليومية للمواطنين. ومن هنا أصبحت أسعار اللحوم، وأضاحي العيد، والدعم، والقدرة الشرائية، ومواجهة الوسطاء والمضاربين، عناصر حاضرة بقوة في الخطاب السياسي. ومع كل أزمة أو اختلال في السوق، تتسع مساحة التوظيف السياسي للموضوع، لتتحول قضية اقتصادية إلى ورقة انتخابية قابلة للاستثمار من طرف الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
ولم يعد غريباً أن تدخل مفردات من قبيل «الفراقشية» والمضاربين والوسطاء إلى الخطاب السياسي المرتبط بالانتخابات. فهذه الكلمات، بما تحمله من حمولة شعبية، تجد طريقها سريعاً إلى النقاش الانتخابي لأنها ترتبط مباشرة بصورة السوق والأسعار وما يعيشه المواطن عند اقتناء المواد الأساسية أو المواشي.
لقجع يضع حدود المسؤولية.. الحكومة تواجه كلفة الملفات الاجتماعية قبل صناديق الاقتراع
في الجهة المقابلة، يحاول وزراء الحكومة رسم حدود واضحة للمسؤوليات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تتقاطع فيها اختصاصات عدة قطاعات ومؤسسات. فلقجع شدد على أن مهمته الأساسية تتمثل في توفير الاعتمادات المالية وتأمين الموارد اللازمة داخل الميزانية، وليس تنفيذ المشاريع على أرض الواقع أو القيام بعمليات الاستيراد والشراء والتوزيع.
وضرب الوزير مثالاً بالمشاريع التنموية في بركان، مشيراً إلى تخصيص 18 مليار سنتيم لمشروع المستشفى الإقليمي ضمن ميزانية وزارة الصحة، إضافة إلى رصد 6 مليارات سنتيم لوزارة الثقافة من أجل إنجاز المركب الثقافي. وبذلك حاول تقديم صورة مختلفة عن وظيفة وزير الميزانية، تقوم على الفصل بين توفير التمويل وبين مسؤولية التنفيذ والتدبير الميداني.
غير أن الحسابات الانتخابية لا تسير دائماً وفق هذا الفصل الإداري الدقيق. فالمواطن ينظر في النهاية إلى النتيجة، وليس بالضرورة إلى الجهة الحكومية التي وقعت القرار أو وفرت الاعتماد أو أشرفت على التنفيذ. وعندما يرتفع سعر مادة أساسية أو يتعثر مشروع أو تظهر أزمة في سوق المواشي، فإن المسؤولية السياسية تصبح أوسع من المسؤولية التقنية والإدارية.
وهنا تكمن صعوبة المرحلة التي تدخلها الحكومة قبل انتخابات 2026. فالأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلتها، لكنها في الوقت نفسه تواجه ملفات اجتماعية يمكن أن تتحول إلى أدوات انتخابية قوية. وملف المواشي، بما ارتبط به من دعم واستيراد وأسعار ونقاش حول الوسطاء والمضاربين، يمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة.
ومن المنتظر أن تزداد حدة السجال كلما اقترب موعد الاستحقاقات، خصوصاً أن الأحزاب ستبحث عن ملفات ملموسة تستطيع من خلالها مخاطبة الناخب مباشرة. ولن يكون سهلاً على الحكومة الاكتفاء بعرض الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، في وقت يبحث فيه المواطن عن إجابة بسيطة حول الأسعار، والخدمات، وفرص الشغل، والصحة والتعليم.
لقجع نفسه أقر بأن المواطن المغربي يريد الجدية ويرغب في معرفة كيفية تنزيل البرامج التنموية على أرض الواقع، ومعالجة القضايا اليومية المباشرة. وهي رسالة تحمل في طياتها اعترافاً بأن المعركة الانتخابية المقبلة لن تُحسم فقط عبر الخطاب السياسي التقليدي، وإنما عبر القدرة على إقناع المواطنين بأن السياسات العمومية انعكست فعلياً على حياتهم اليومية.
وبينما تحاول الحكومة الدفاع عن منجزاتها، تستعد الأحزاب لاستثمار الملفات التي يمكن أن تحقق لها مكاسب انتخابية. وفي مقدمتها ملف المواشي الذي تجاوز حدود السوق ليصبح عنواناً سياسياً بامتياز. فكلما عاد الحديث عن الدعم، عادت معه أسئلة الاستفادة، والنجاعة، والمراقبة، والمضاربة، والوسطاء، ومن يتحمل المسؤولية.
وهكذا يبدو أن «الفراقشية» لن يبقوا مجرد طرف في معادلة سوق المواشي، بل أصبحوا جزءاً من قاموس سياسي يتشكل قبل انتخابات 2026. وبين حكومة تدافع عن الاختصاصات والميزانيات، وأحزاب تبحث عن أوراق انتخابية، ومواطن يريد نتائج ملموسة، يتحول ملف المواشي إلى واحدة من أكثر القضايا قابلية للاشتعال في الحملة الانتخابية المقبلة.